يُنظر إلى الشباب في علم الاجتماع باعتبارهم قوة محركة للتغيير الاجتماعي. فمرحلة الشباب ليست مجرد عمر بيولوجي، بل هي موقع اجتماعي مليء بالطموحات، والتطلعات، والقدرة على التمرد على البنى القائمة. وقد تناول علماء الاجتماع هذه الظاهرة بوصفها محركًا للتاريخ ومصدرًا للثورات والتحولات الكبرى. من هنا تبرز أهمية فهم الشباب ليس فقط كفئة عمرية، بل كفاعل اجتماعي أساسي قادر على إعادة تشكيل المجتمع.
الشباب كقوة اجتماعية
يرى علم الاجتماع أن الشباب يمثلون طاقة اجتماعية حيوية. فوفقًا لإميل دوركايم، ترتبط كل مرحلة عمرية بوظائف محددة داخل النسق الاجتماعي، والشباب هنا يمثلون قوة التجديد. بينما اعتبر كارل مانهايم أن وعي الجيل الجديد هو الذي يحدد مسار التغيير، إذ يرى أن "الجيل ليس مجرد فئة عمرية، بل تجربة اجتماعية مشتركة تصوغ رؤيته للعالم".
هذا ما يجعل الشباب يتمتعون بدور مزدوج:
من جهة، استيعاب قيم المجتمع وثقافته.
ومن جهة أخرى، القدرة على نقد تلك القيم واقتراح بدائل.
الشباب والتحولات الاجتماعية في منظور ماركسي
في النظرية الماركسية، يُفهم الشباب غالبًا ضمن الصراع الطبقي. فباعتبارهم الفئة الأكثر تضررًا من البطالة والتهميش، يصبحون أكثر استعدادًا لقيادة الاحتجاجات والثورات. الشباب هنا يمثلون "الوقود الاجتماعي" الذي يدفع نحو تغيير البنية الاقتصادية والسياسية، بحثًا عن عدالة اجتماعية ومساواة.
وتُظهر دراسات حديثة أن أغلب الحركات الاجتماعية المعاصرة (من الربيع العربي إلى حركات المناخ العالمية) كان محركها الأساس الجيل الجديد الباحث عن بدائل.
الشباب والنظام الاجتماعي عند بارسونز
من زاوية أخرى، يرى تالكوت بارسونز أن الشباب يشكلون مرحلة انتقالية في النسق الاجتماعي، إذ ينتقل الفرد من الاعتماد على الأسرة إلى الاستقلالية والمشاركة في المؤسسات. ومن هذا المنظور، فإن الشباب ليسوا فقط مصدر اضطراب، بل أيضًا آلية لتجديد المجتمع وضمان استمراريته.
وفقًا لبارسونز، التغيير الذي يقوده الشباب لا يكون دائمًا ثوريًا، بل قد يأخذ شكل إعادة تكيّف المجتمع مع حاجاتهم الجديدة.
دراسات اجتماعية حول الشباب والتغيير
تشير العديد من الدراسات في علم الاجتماع إلى أن الشباب يقودون التغيير عبر وسائل متعددة:
الحركات الاجتماعية: مثل الحركات الطلابية والاحتجاجات السياسية.
التكنولوجيا: حيث يشكل الإعلام الرقمي أداة لخلق وعي جماعي جديد.
الثقافة: عبر أنماط جديدة في الفن والموسيقى واللغة تعكس رؤيتهم للعالم.
وتبين أبحاث مانويل كاستلز أن الشباب في العصر الرقمي أصبحوا قادرين على بناء شبكات اجتماعية عابرة للحدود، ما يعزز من دورهم في التغيير العالمي.
الشباب بين الاستقرار والتغيير
رغم أن الشباب غالبًا ما يُنظر إليهم كمصدر تغيير، إلا أن علم الاجتماع يبرز أيضًا دورهم في إعادة إنتاج القيم الاجتماعية. فليس كل الشباب ثوريًا بالضرورة؛ إذ توجد فئة واسعة تفضل الاندماج في النظام القائم بدلًا من تغييره. هذا التناقض يعكس ما سماه بيير بورديو بـ"الهابيتوس"، أي المنظومة الثقافية الداخلية التي تحدد استعدادات الشباب للتغيير أو الاستقرار.
تحديات الشباب في قيادة التغيير
من منظور علم الاجتماع، يواجه الشباب عدة عوائق تحد من فاعليتهم:
البطالة والتهميش الاقتصادي، مما يقلل من فرص مشاركتهم الفاعلة.
السلطة السياسية، التي غالبًا ما تسعى إلى ضبط طاقاتهم بدلًا من تحريرها.
الثقافة التقليدية، التي قد تقاوم طموحاتهم نحو الحداثة.
ورغم هذه التحديات، يبقى الشباب فاعلًا رئيسيًا في أي مشروع تنموي أو تغيير اجتماعي.
من خلال علم الاجتماع، يظهر الشباب باعتبارهم الفاعل الأكثر قدرة على إحداث التحولات الاجتماعية، سواء عبر الحركات الاحتجاجية، أو من خلال التجديد الثقافي، أو باستعمال التكنولوجيا الحديثة. فهم ليسوا مجرد جيل ينتظر المستقبل، بل هم صناع المستقبل أنفسهم. وبهذا المعنى، فإن أي مشروع إصلاحي أو تنموي لن ينجح ما لم يجعل من الشباب مركزًا له.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق